وقف البحوث العثمانية نشر كتاب “الوثائق تنطق بالحقائق” مرة ثانية بقلم الأستاذ د. أحمد آق كوندز

فنحن جيل جديد نعمل على أن نكون عند حسن ظن أجدادنا العظام بنا، وعلى حد تعبير عاكف الشاعر التركي فنحن نعمل على أن نكون جيلاً عصامياً وعلى الأقل نضع أساسا لهذا الجيل. إننا نعايش واقعنا الحالي ولكننا ننظر إلى المستقبل بأمل على اعتبار أننا سنكون ممثليه. إن الادعاءات الزائفة والأكاذيب الباطلة لا تغني عنا شيئا، ونحن نريد دليلاً وبرهاناً لإبطال هذه الادعاءات المنتشرة. ونحن نعتزم رفع الستائر التي تغلف تاريخنا بحجب الغفلة والجهل. ولقد عقدنا العزم على بلوغ هذه الغاية، وقد كشف لنا التاريخ الذي هو سجلٌّ للأحداث الحقيقية والشاهد الأكبر على الحقائق أننا نحن المسلمين كلما انقطعت صلتنا بهذه القيم أصابنا الذل ونكست راياتنا.

وفي مواجهة هذه الحقائق فإن دور الوثائق لدينا والمخطوطات التي لم يتم الاطلاع عليها في مكتباتنا تبين لنا أن تاريخنا كان مليئا بالأمجاد والمفاخر على عكس مال لقن لنا. ففي الوقت الذي كانت فيه مباني أوروبا تقام بلا مراحيض كانت العمليات الجراحية تجرى على الكلى في (عينتاب) في أوائل القرن السادس عشر. وبينما لم يعترف بالمرأة على أنها كائن بشري إلا في نهاية القرن التاسع عشر بأوروبا كفل لها ديننا حقوقها كاملة غير منقوصة. ورغم أننا نشأنا على تكرار أن حياة كل فرد هي بين شفتي السلطان، فقد أدهشتنا الحقائق التي تقول بأن أجدادنا لم يكونوا يعتدون حتى على حقوق النمل. ولقد عملنا على إسماع هذه الحقائق التي تنطق بها الوثائق في شكل أفكار عامة عبر مجلات قيمة في المجالات العلمية والقومية والدينية.

إنّ الزمن لا يسير سيرا رتيبا وفق خط مستقيم، وإنما تتباعد نقاط بداياته ونهاياته مع تقدمه، وربّما نستطيع أن نشبهه بدوران الكرة الأرضية، فيسفر أحيانا عن مواسم مثل الصيف والربيع ويكشف أحيانا أخرى عن وجه الشّتاء وعواصفه الشديدة. فلا بد أن يعقب كل شتاء ربيع ويعقب كل ليل نهار، وابن آدم في تقلباته هو تماما مثل هذه الأحوال.

وقد كان القرن العشرين مليئا بالعبر بالنسبة للإنسان، ذلك أنّه عانى معاناة شديدة من الشيوعية والإلحاد. وتلوح في الأفق علامات البشائر على أن صباح الحرية والإيمان والحضارة قد دنا أوانه. وقد أفاقت كل من بولونيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وألمانيا الشرقية من سبات الشيوعيّة، وهي تتطلع الآن إلى السّعادة الحقيقية، والتي سوف تعم أيضاً بلغاريا وروسيا والصين.

إن الذين ألّهوا ونصبوا أبطالا مزيفين سوف يكون مصيرهم مصير تشاوسيسكو أي القتل والإهانة، وسوف لن تكون تركيا بمنأى عن هذه التطورات، وسوف يكون هذا التغيير في تركيا مختلفا عما شهده التاريخ في الماضي وعمّا سيشهده في الحاضر. وإذا كان الأجداد السابقون قد غيروا واقعهم بالسّيف والسلاح فإن التغيير في وقتنا الحاضر سوف تكون أدواته الحقائق والوثائق والحضارة الحقيقية.

وقد أعددت هذا الكتاب “الوثائق تنطق بالحقائق” ليكشف الحقائق التاريخية الغامضة ويكون عونا على إزالة مجموعة من المحرّمات التي تقف حاجزا أمام معرفة الحقيقة. وأريد أن أذكر بعض الملاحظات التي قد تكون فيها فائدة:

قَسمت هل الكتابَ إلى ثمانية أقسام:

خصص القسم الأول للأسئلة المتعلقة بالأرشيف العثماني ودور الوثائق.

وفي القسم الثاني تم تناول المسائل التي تتعلق بالعالم الإسلامي والأمة الإسلامية.

أما القسم الثالث فتم فيه تدقيقُ حقوق الإنسان وحرياته في الفقه الإسلامي.

دوَّن في القسم الرابع حقوق الأقليات وحرياتهم في الفقه الإسلامي وفي الدولة العثمانية.

وفي القسم الخامس تم تناول المسائل التي تتعلق بالأوقاف العثمانية.

ودوَّن في القسم السادس القوانين العثمانية والمسائل المختلفة فيها.

وفي القسم السابع تم تناول المسائل التي تتعلق بمشكلة مناطق الشرق وآرآء بديع الزمان كشخصية عثمانية.

أما القسم الثامن والاخير فتم فيه تدقيقُ المسائل المختلفة تحت ضوء الوثائق.

ونحن في هذا الكتاب لا نسير خلف الادعاءات الجوفاء وإنما نعتمد على الوثائق والأدلة. قد تكون المسافة التي قطعناها في تاريخنا قصيرة ولكننا ولجناه قلبا وفكرا وعقلا. ونحن لم نكن نستطيع أن نتخلى عن الفكر والعقل لنهمل الوثائق والأدلة كما يفعل أتباع الأديان الأخرى حيث كانوا يقلدون رهبانهم. ولهذا السبب فإن المخاوف التي تقف في مواجهة الحقائق والوثائق والأدلة العقلية سوف تتهاوى وتنهار في الألف الثانية الميلادية بفعل سيادة العقل والعلم والتقنية.

وبعد طبعتي الأولى للكتاب باللغة التركية، اتصل بي في الهاتف أحد طلاب المدارس الثانوية الخاصة، وحدثني بانفعال كبير قائلا: ” أنا في الصف الأخير من الثانوية، وأسرتي وأهلي لا صلة لهم بالتاريخ ولا بالدين، أما أصدقائي فهم يقولون ما لا يفعلون، ثم وقع في يدي الكتاب “الوثائق تنطق بالحقائق“، فعزمت على قراءته، ثم شرعت في ذلك ولم أتوقف حتى أنهيته، ولما فرغت منهما أحسست باضطراب كبير ذلك أنّ كل ما تعلّمته وكل ما سمعته في حياتي التعليمية يتناقض تماما مع ما وجدته في هذا الكتاب، فأصبحت أتساءل أيهما الأصحّ، ثم تأكدت أن الحقّ هو ما جاء في الوثائق وأنّ ما يعلم للأجيال منذ سبعين عاما هو زيف وخديعة. ولقد تخلصت الآن من هذا الاضطراب وصغت حياتي صياغة جديدة جعلتني مسلما غيورا على ديني وتاريخي”. وباختصار فإنّه عندما تنطق الوثائق تنهار الأباطيل وتنكشف الحقائق وتنزاح غشاوة الباطل عن تاريخنا المجيد.

و أشكر هنا العاملين لما بذلوه من جهد في إخراج هذا الكتاب في شكله البهي هذا، كما أنني أود أن أسوق البشرى إلى القراء وإلى المهتمين بأن هذه السلسلة سوف تستمر، ونعتقد مخلصين أنه إذا كان الجهد منا فإن التوفيق من عند الله تعالى..

image006

Comments are closed.